Friday 22nd of September 2017 03:21:41 PM

ابتزاز أم تنويع: صفقة أسلحة روسية للسعودية بقيمة 3.5 مليار دولار

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 142
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

عماد عنان

الرياض تطرق باب موسكو عبر صفقات التسليح

بعد أقل من شهرين على إنعاش سوق السلاح الأمريكي عبر إبرام عقود تسليح مع إدارة ترامب تقدر قيمتها 350 مليار دولار على مدار عشر سنوات قادمة، ها هي المملكة العربية السعودية تنعش سوقًا آخر للسلاح،  لكنها هذه المرة تنتقل من أقصى اليمين إلى أقصي اليسار.

3.5 مليار دولار قيمة صفقة السلاح التي وقعت عليها الرياض مع مؤسسة "روستيخ" الروسية (أكبر شركة حكومية متخصصة في عملية تصميم وتصنيع وتصدير المنتجات الصناعية ذات التقنيات العالية والطابعين المدني والعسكري وتضم ما يزيد على 700 شركة) إثر جولة جديدة من المفاوضات واللقاءات بين مسئولي البلدين، إلا أن توقيت هذا الاتفاق الذي يسبق زيارة العاهل السعودي لموسكو خلال الأيام القادمة تزامنًا مع الأزمة الخليجية الأخيرة والموقف الروسي حيالها يدفع للتساؤل حول الدوافع الحقيقية لإبرام هذه الصفقة، وهل تسعى الرياض من خلالها إلى الحصول على تأييد الكرملين لمواقفها السياسية رغم التباين الواضح في بعض الملفات، ومدى استجابة بوتين وحكومته لهذه الصفقة؟

صفقة مشروطة

"إن المملكة العربية السعودية وقعت مع الشركة الروسية على اتفاق أولي في مجال التعاون العسكري التقني بقيمة 3.5 مليار دولار".. بهذه التصريحات استهل رئيس مؤسسة "روستيخ" الروسية الحكومية، سيرغي تشيميزوف، حديثه معلقًا على صفقة الأسلحة الروسية المزمع إبرامها مع السعودية خلال الأيام القادمة.

السعودية اشترطت لتمرير هذه الصفقة أن تنقل موسكو بعض خبراتها التقنية في مجال تصنيع الأسلحة للرياض، كذلك بناء مصنع لإنتاج بعض الأسلحة الروسية فوق أراضِ سعودية، وهو ما أكد عليه تشيميزوف حين أشار إلى وجود" شروط "سعودية لتنفيذ العقد، مضيفًا "سريان مفعول العقد يبدأ، إذا شاركناهم بجزء من التقنيات وبدأنا الإنتاج في أراضي المملكة. نحن نفكر في ما يمكننا مشاركته معهم. وأبسط شيء هو بناء مصنع لإنتاج الأسلحة الصغيرة، على سبيل المثال، بندقية كلاشنيكوف المعروفة."  

رئيس مؤسسة "روستيخ" الروسية لم يجزم بإتمام الصفقة حتى الآن، حيث أن تاريخ صفقات السلاح بين الجانبين الروسي والسعودي لم يكن مبشرًا على الإطلاق حسبما أشار الرجل بقوله "وقعنا عقوداً بقيمة 20 مليار دولار مع المملكة العربية السعودية قبل خمس سنوات، لكنها لم تكن مجدية لأن الصفقة لم تحرز تقدماً أبعد من إبداء النوايا. لم تشتر الرياض أي شيء في ذلك الوقت."

الإعلام الروسي تطرق في كثير من تحليلاته إلى الحديث عن مستقبل العلاقات بين موسكو والرياض بعد تنصيب محمد بن سلمان وليًا للعهد

حينها طلبت الرياض شروطًا أخرى من موسكو لتمرير الصفقة وهو ما عبر عنه بقوله "السعوديون لعبوا بنا ببساطة، قائلين: لا توفروا أنظمة الدفاع الجوي S-300 إلى إيران وسنشتري أسلحتكم - الدبابات وغيرها من المعدات،" وبالطبع لم تلتزم موسكو بشروط الرياض، وقامت بتزويد طهران ببعض هذه أنظمة الدفاع الجوي، ما دفع السعودية للتراجع عن إتمام الصفقة.

يأتي هذا الاتفاق المبدئي بين الرياض وموسكو بشأن تلك الصفقة بعد سلسلة من المفاوضات واللقاءات بين الجانبين خلال الأشهر القليلة الماضية على رأسها اللقاء الذي عُقد بين نائب وزير الدفاع الروسي الفريق أول ألكسندر فومين، ونائب رئيس هيئة الأركان العامة في الجيش السعودي الفريق الركن فياض حامد الرويلي على هامش مؤتمر موسكو السادس للأمن الدولي، الذي عقد في أبريل الماضي، حيث عبر الأخير عن اهتمام المملكة بشراء أحدث الأسلحة الروسية، فيما أبدى نائب وزير الدفاع الروسي اهتمامه بتفعيل التعاون العسكري بين البلدين مؤكدًا دراسته لقائمة أنواع الأسلحة التي عبرت الرياض عن الاهتمام بشرائها من روسيا.

جدير بالذكر أن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، قد التقى الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، في موسكو مايو الماضي، حيث تبادلا سبل تفعيل التعاون المشترك وتعزيز العلاقات بينهما، فضلا عن إعراب بوتين عن تطلعه لزيارة العاهل السعودي لروسيا، وهو ما كان بالفعل، حيث من المقرر أن يقوم الملك سلمان بزيارة لموسكو خلال الأيام القادمة بحسب ما تم الإعلان عنه.

السعودية اشترطت لتمرير هذه الصفقة أن تنقل موسكو بعض خبراتها التقنية في مجال تصنيع الأسلحة للرياض، كذلك بناء مصنع لإنتاج بعض الأسلحة الروسية فوق أراضي سعودية

الإعلام الروسي يتوقع مزيد من التعاون مع السعودية في عهد محمد بن سلمان

تنويع مصادر التسليح

أمريكا وروسيا لم يكونا المصدرين الوحيدين للتسليح السعودي إذ أن الرياض تسعى إلى تنويع مصادر تسليحها بصورة يراها فريق من المحللين تأمينًا جيدًا لمستقبلها وعدم خضوعها لمصدر واحد ربما يشكل ضغوطًا عليها إذا ما تعارضت التوجهات هنا أو هناك.

فبريطانيا تعد موردا رئيسيا للسلاح بالنسبة للمملكة، حيث وافقت مؤخرًا على بيع أسلحة تبلغ قيمتها 3.87 مليار دولار، للسعودية في العامين الماضيين فقط، ما دفع البعض إلى توجيه عدة اتهامات للحكومة البريطانية بالتستر على توجهات الرياض "المخالفة للقانون الدولي ومواثيق حقوق الإنسان" من خلال هذه الصفقات التي تستخدمها في عملياتها ضد المدنيين في اليمن، إلا أن المحكمة العليا البريطانية في حكمها بالأمس أقرت بقانونية هذه الصفقات حتى وإن اعترضت عليها المنظمات الحقوقية داخل المملكة المتحدة.

كما أن تركيا تعد هي الأخرى مصدرًا للتسليح السعودي، حيث أبرمت المملكة أكبر صفقة لشراء السلاح التركي في مايو الماضي،وقد نقلت مجلة “ديفينس نيوز” الأمريكية المتخصصة في الصناعات الدفاعية عن وزير الدفاع التركي فكري إيشيك، قوله "إن صفقة بيع الأسلحة للسعودية ستكون أكبر صفقة تصدير للصناعة العسكرية التركية"، مضيفا أن حكومته تعمل على خطة واسعة لتعزيز صادرات الدفاع التركية.

وبالرغم من الأنباء التي تشير إلى إلغاء الرياض لهذه الصفقة فيما قيل أنه رد على موقف أنقرة من الأزمة الخليجية الداعم لوجهة النظر القطرية، إلا أن إسماعيل دمير، وكيل وزارة الدفاع التركية لشؤون الصناعات العسكرية، قال "إن المملكة العربية السعودية لم تبلغ تركيا رسميا بإلغاء صفقة السفن الحربية التركية"، مؤكدا على أن المشروع "لا يزال مستمرا".

رئيس مؤسسة "روستيخ": السعوديون لعبوا بنا ببساطة، قائلين: لا توفروا أنظمة الدفاع الجوي S-300 إلى إيران وسنشتري أسلحتكم - الدبابات وغيرها من المعدات

تفعيل الشراكة

فريق آخر يرى أن طرق الرياض أبواب موسكو عبر مطرقة صفقات التسليح والشراكة الاقتصادية يهدف إلى نية السعودية توسيع دائرة علاقاتها الخارجية مع روسيا بعد موجات المد والجذر في العلاقات بين الجانبين خلال السنوات الأخيرة جراء تباين وجهات النظر حيال بعض الملفات الإقليمية، في سوريا واليمن والعراق وإيران ولبنان.

الإعلام الروسي تطرق في كثير من تحليلاته إلى الحديث عن مستقبل العلاقات بين موسكو والرياض بعد تنصيب محمد بن سلمان وليًا للعهد، فالرجل كما تراه بعض الصحف الصادرة في روسيا يسعى إلى إحداث تقارب بين البلدين، وفتح صفحة جديدة في العلاقات تقوم على أساس الشراكة والتعاون البنًاء في ظل رؤيته المقدمة لتنويع مصادر الدخل القومي لبلاده بعيدًا عن النفط، حتى وإن تعارضت الرؤى تجاه عدد من المسائل.

الرياض تعلم جيدًا قوة الدور الروسي في المنطقة ومدى ما يمثله من ثقل دفع موسكو لأن تكون اللاعب الأبرز في عدد من الملفات الإقليمية لعل أبرزها الملف السوري، فضلا عما تمثله من ضغط على الرياض بدعمها المتواصل لإيران – الخصم اللدود للممملكة-  وتوجهاتها في المنطقة، ما يستوجب – بحسب خبراء – ضرورة عدم علق الباب معها بصورة كاملة، وضرورة خلق مجالات للتعاون المشترك تقلل رويدًا رويدًا من حدة الجفاء بين البلدين، وهو ما تسعى الرياض إليه من خلال تحركاتها الأخيرة.

استمالة موسكو للموقف السعودي

الكاتب والمحلل الروسي إيغور سوبوتين، في مقال له نشرته صحيفة "نيزافيسيمايا غازيتا" حاول الربط بين تفعيل الرياض للشراكة الاقتصادية والعسكرية مع موسكو والأزمة الخليجية الأخيرة، في محاولة للإجابة على هذا السؤال: هل تسعى السعودية من وراء صفقة السلاح المزمع إبرامها فضلا عن بعض الصفقات التجارية الأخرى إضافة إلى ما تحمله تصريحات ولي العهد من نوايا طيبة لفتح صفحة جديدة في العلاقات ربما تُعزَز بزيارة قريبة للعاهل السعودي لموسكو إلى محاولة استمالة الكريملين لدعم الموقف السعودي في بعض الملفات ومنها الأزمة القطرية الأخيرة؟

المحلل الروسي في مقاله أشار إلى أن أزمة قطر ستكون أحد الموضوعات الهامة المدرجة على جدول أعمال اللقاء المرتقب بين بوتين والملك سلمان والذي لم يحدد بعد وإن كان متوقعًا أن يكون خلال الأيام المقبلة، خاصة وأن موقف موسكو حيال هذه الأزمة يميل إلى إيجاد مقاربة متوازنة للطرفين، القطري والسعودي، وهو ما اتضح خلال الاتصال الهاتفي الذي جرى بين الرئيس بوتين وأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني، حيث "أكد بوتين أهمية الجهود السياسية–الدبلوماسية المبذولة لتجاوز هذا الوضع الصعب"، - بحسب بيان الكرملين. كما أن الرئيس بوتين تطرق إلى هذه المسألة خلال المكالمة الهاتفية مع ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة.

المقال تطرق إلى إلقاء الضوء على الرغبة السعودية في تفعيل العلاقات الاقتصادية مع روسيا بصورة كبيرة، وهو ما أشار إليه وزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية السعودي خالد الفالح في منتدى سان بطرسبورغ الاقتصادي الدولي، حيث لفت إلى إمكانية أن تنشئ موسكو والرياض صندوق استثمارات مشترك، وخاصة في مجال الشركات الخدمية في المملكة والشرق الأوسط، ومن ثم لن تكون مسألة المقاطعة الدبلوماسية الروسية لقطر النقطة الرئيسية في مباحثات سلمان وبوتين.

الأزمة القطرية ستتصدر جدول أعمال اللقاء المرتقب بين بوتين وسلمان

ليونيد إيسايف، كبير الأساتذة في قسم العلوم السياسية بمدرسة الاقتصاد العليا بموسكو، في هذا الصدد أشار إلى أن "نية المملكة السعودية بناء علاقات اقتصادية مع روسيا، تبدو كمحاولة لربطها اقتصاديا، ليصبح من السهل الاتفاق معها بشأن المسائل السياسية في المنطقة، مضيفًا " لذلك لا أعتقد أن زيارة العاهل السعودي مرتبطة فقط بوضع قطر، وإن منطق تطور العلاقات الروسية–السعودية كان يجب أن يؤدي إلى هذا، فقد تحسنت العلاقات تدريجيا، وقد آن الأوان، الذي يجب فيه باعتقادي الجواب على أعلى المستويات عن مجموعة مسائل، وخاصة من جانب المملكة السعودية. وبالطبع، فإن مسألة قطر ستدرج في جدول الأعمال، ولكن هناك مسائل اقتصادية تقلقنا".

إلا أن الأكاديمي والخبير الروسي شكك في استجابة موسكو للرغبة السعودية، وتغييرها لمواقفها السياسية مقابل بعض الفوائد الاقتصادية التي من الممكن أن تحصل عليها، مبررًا ذلك بقوله" لأن من مصلحة روسيا لعب دور متوازن والحفاظ على علاقاتها مع جميع أطراف النزاع".

ومع ذلك توقع إيسايف أن يخرج لقاء بوتين – سلمان بثلاث نتائج: أولا، الاحتفاظ بمستوى العلاقات الحالي نفسه. ثانيا، من المرجح حصول تقدم ملحوظ في إحدى المسائل، بما فيها في المجال الاقتصادي. وثالثا، وهذا الاحتمال ضئيل، قد نتفق مع الرياض على مواقف مبدئية جديدة.

خبير روسي: نية المملكة السعودية بناء علاقات اقتصادية مع روسيا، تبدو كمحاولة لربطها اقتصاديا، ليصبح من السهل الاتفاق معها بشأن المسائل السياسية في المنطقة

ومن ثم تدخل الصفقة المتوقع إبرامها مع موسكو في إطار تحركات الرياض نحو توسيع قاعدة تحالفاتها في المنطقة على أسس من الشراكة الاقتصادية في محاولة لتلافي الآثار السلبية الناجمة عن تباين الرؤى حيال بعض الملفات مع روسيا كونها إحدى القوى الإقليمية المؤثرة في المشهد الإقليمي، إلا أنها في الوقت ذاته تندرج تحت بند توظيف السعودية لقدراتها الاقتصادية في استمالة مواقف بعض القوى بما يدعم توجهاتها السياسية، وإن كان هذا يتوقف على رد فعل تلك القوى ومدى رضوخها لهذا النوع من "الابتزاز المقنن".

تعليقات الزوار