كوليرا آل سلمان: طفل يمنيّ يصاب كل 35 ثانية!

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 132
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

من قال إنّ اليمن سوف يصبح عصيّاً على التوحيد بعد تلاعب قوى العدوان بمصيره؟ فليراجع من يشكك بإمكانية وحدة اليمن، واقع الانتشار المستمر والسريع لوباء الكوليرا بين محافظات البلاد، وسوف يرى أنّ المأساة تجمع اليمنيين اليوم، وسوف يقف على حقيقة أخرى، أنّ عدوان آل سلمان، وحلفائهم، مسؤول عن هذه الفاجعة التي يذهب ضحاياها الآلاف... ممن نجوا من الصواريخ ومن الحروب المتواصلة.
بعد نحو عامين و4 أشهر من القصف العشوائي للأحياء السكنية والتدمير الممنهج للبنية التحتية، وفي ظل الحصار البري والبحري والجوي المحكم، بات وباء الكوليرا مسيطراً على المشهد اليمني، وفارضاً نفسه كـ«الإنجاز» الأبرز الذي حققته السعودية وتحالفها في عدوانهما على البلد العربي الأشد فقراً.
ولا تختلف المنظمات الدولية والجهات المسؤولة في القطاع الصحي في تقييمها للدور المحوري الذي يلعبه العدوان السعودي على اليمن، والحصار المفروض الذي يمنع وصول المساعدات الإنسانية والصحية، في انتشار وباء الكوليرا، والذي وفق ما أعلنته «اللجنة الدولية للصليب الأحمر» أمس، أصاب حتى الآن 302 ألفا و488 شخصاً على الأقل، في حين حصد أرواح ما لا يقل عن 1713 يمنياً، وذلك منذ أواخر نيسان الماضي.
وفي الأسابيع العشرة الماضية، سقط عشرات الآلاف من اليمنيين الذين لم تنل منهم الغارات الجوية لطائرات العدوان ولم تسلم أجسادهم المحرومة من أبسط متطلبات الحياة من ماء وغذاء ودواء، ضحية التفشي «غير المسبوق» للكوليرا. وأكّد المدير الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط في «الصليب الأحمر» روبرت مارديني، أمس، «تسجيل 7 آلاف إصابة جديدة على الأقل يومياً» بالوباء الذي بات يجد في البلد الواقف على شفا مجاعة ويعاني من انهيار شبه كامل في القطاعين الصحي والاقتصادي، «بيئة حاضنة».
وجاء ذلك بعد يوم من إعلان منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في اليمن جيمي ماكغولدريك، أن الكوليرا «سيستمر في الانتشار وسيخلّف المزيد من المتضررين»، في وقت لا تزال فيه دول «العالم الأول» تختار الصمت على جرائم تحالف العدوان التي تتسبب بكارثة إنسانية توصف بـ«الأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية».
وفي حديث إلى «الأخبار»، يؤكد كبير جراحي «اللجنة الدولية للصليب الأحمر» ماركو بالدان، أنّ «المستشفيات تعاني من عدم قدرتها على استيعاب أعداد المصابين ومن نقص كبير في الأدوية والأطباء الذين اختاروا السفر أو الانتقال إلى مستشفيات خاصة بسبب عدم دفع معاشاتهم». ويشير إلى أنّ «نظام الرعاية الصحية على شفا الانهيار، إذ إن 45 في المئة فقط من المرافق الطبية لا تزال تعمل».
وبحسب الأرقام الرسمية، شهدت البلاد تدميراً كاملاً أو جزئياً لحوالى 300 مرفق طبي ومستشفى، ما ترك، وفق تقديرات منظمات الأمم المتحدة، «قرابة ١٥ مليون مواطن بلا خدمات الرعاية الصحية الأولية».
وفي حين يؤكد ماركو بالدان إصابة «يمني واحد من أصل 250 بالكوليرا»، تقول «منظمة الأمم المتحدة للطفولة» (يونيسيف) إن الوباء يشكّل «خطراً على عشرات الآلاف من الأطفال على وجه التحديد». وكان المتحدث باسم الـ«يونيسف» كريستوف بوليارك، قد أكد قبل أيام أنّ «الكوليرا، مصحوباً بسوء التغذية، خلقا أوضاعاً مميتة للأطفال»، موضحاً أنّ الأطفال الذين «تتعرض أجهزة مناعتهم للخطر بسبب سوء التغذية، معرضون بشكل خاص لأمراض الإسهال».
ووفقاً للمنظمات الدولية المعنية، فإنّ السبب الرئيسي الذي يجعل الأطفال عرضة للإصابة بالكوليرا هو سوء التغذية، الذي يعاني منه 7 ملايين يمني؛ من ضمنهم أكثر من 2.2 مليون طفل تحت سن الخامسة. لكنّ بوليارك يلفت إلى أنه «في حين نستطيع أن نعالج الكوليرا، إلا أن المرض سيعود إذا استمر الأطفال في شرب المياه الملوثة... وبالتالي هناك حاجة ماسة إلى القيام بالمزيد في مجال مياه الصرف الصحي».
وهذا ما تؤكده منظمة «أنقذوا الأطفال» الدولية، إذ تقول إنّ «طفلاً يمنياً واحداً يصاب بالكوليرا كل 35 ثانية». وتحذر المنظمة عبر مديرها في اليمن غرانت بريتشارد، من أنّ «البلاد على حافة الانهيار الكامل إذا لم يتم التحرك سريعاً»، مشيرة إلى أنه خلال الأسبوعين الماضيين، «ارتفع معدل الإصابة بالكوليرا في اليمن إلى أكثر من 3 أضعاف... ويشكّل من هم أقل من 15 عاماً 50 في المئة من الحالات، مقارنة بـ 40 في المئة الأسبوع الماضي!».
ولا يطال الوباء محافظة يمنية بعينها دون غيرها، إذ باتت رقعة تفشيه تتسع لتطال مدناً وقرى جديدة لم تستطع أن تنأى بنفسها عن الكارثة الإنسانية. ومن بين أسباب انتشار الوباء، يشير بعض الخبراء إلى استمرار حركة نزوح السكّان من المناطق المشتعلة ميدانياً إلى تلك الآمنة نسبياً. وهذا ما سبق أن حذّر منه ممثل منظمة «أطباء بلا حدود» في اليمن غسان أبو شعر، حين أكّد في حديث إلى «الأخبار» أن «المصابين الفارين من مناطق النزاع أو الذين يتنقلون من منطقة إلى أخرى بحثاً عن مراكز صحية لا تزال تعمل، ينقلون معهم المرض... الأمر الذي يساعد على انتشاره في مناطق أخرى».
وينتشر المرض في 21 محافظة من أصل 22، إذ لا تزال محافظة أرخبيل سقطرى المنطقة الوحيدة التي لم يتم فيها تسجيل أي إصابات، في حين كانت حجة (شمال غرب اليمن) أكثر المحافظات المنكوبة مع ارتفاع عدد الضحايا فيها إلى 325 حالة وفاة وقرابة 32 ألف إصابة، وفقاً لتقرير «أطباء بلا حدود» الصادر قبل أيام.
وكانت العاصمة اليمنية صنعاء أول محافظة تعلن «حالة الطوارئ» مع تحولها إلى «مدينة منكوبة» صحياً وبيئياً بسبب تسجيلها أكبر عدد من الإصابات. وفي الأيام القليلة الماضية، ازدادت نسبة الإصابات في المحافظات الجنوبية، فلم تسلم من الوباء الذي تسلل إليها، متجاوزاً كل الحواجز السياسية والحدود التقسيمية الجغرافية. واتخذت السلطات المحلية ومنظمات المجتمع المدني في الجنوب، كسابقاتها في المناطق الخارجة عن سيطرة الجهات الموالية للسعودية والإمارات، سلسلة من التدابير بهدف احتواء موجة التفشي الثانية للوباء في أقل من عام.
وفي هذا السياق، أعلنت حكومة الرئيس اليمني المستقيل عبد ربه منصور هادي، أول من أمس (الأحد)، «خطة سريعة» للحد من انتشار الكوليرا والإسهالات المائية الحادة في عدن. وقال وزير الصحة العامة والسكان، الموالي لهادي، ناصر باعوم، إن «الحكومة في عدن تعمل على مضاعفة الجهود مع مختلف الشركاء المحليين والدوليين لاحتواء الوباء»، معلناً عن «خطة استجابة ستساهم في التخفيف التدريجي من انتشار الوباء» في المحافظة. ولم يتطرق باعوم إلى طبيعة الخطة، غير أن وزير الإدارة المحلية في حكومة هادي، عبد الرقيب فتح، قال إنها تشمل «تنفيذ مشاريع تتعلق بشبكة المياه والنظافة والإصلاح البيئي وتوزيع الكلور للمنازل».
يأتي ذلك في وقت قدّم فيه مدير مكتب وزارة الصحة عبد الناصر الوالي، استقالته من منصبه، بعد خلافات مع باعوم، ورئيس الوزراء أحمد عبيد بن دغر. ويتهم الأطباء وموظفو الصحة في عدن، وزير الصحة ورئيس الوزراء بتعطيل آداء المرافق الصحية وتعيين أشخاص غير مؤهلين في مناصب لا تتناسب ومؤهلاتهم.
حرب على المياه!
لعلّ من بين الأسباب الرئيسية لتفشي الكوليرا، استهداف العدوان بشكل ممنهج للمصادر الاحتياطية لتغذية مياه الشرب ومخازن معدات الحفر والتنقيب. وفي العامين الماضيين، تمّ تدمير أكثر من 307 خزانات وشبكات مياه، إضافة إلى مئات الآبار، الأمر الذي تسبب بانقطاع المياه النظيفة والصرف الصحي عن 14.5 مليون شخص، بينهم ما يقرب من 8 ملايين طفل، وهو ما وصفته تقارير صحافية عدة بـ«حرب المياه». وفي هذا السياق، اتهمت منظمة «هيومن رايتس ووتش» في أيّار الماضي الرياض وواشنطن بارتكاب جريمة حرب في أيلول الماضي، وذلك عندما استهدف طيران تحالف العدوان مأوى لعمال كانوا يحفرون بئراً في أرحب في محافظة صنعاء، ما أدّى إلى مقتل 6 منهم وإصابة 5 آخرين. وعندما هبّ سكان القرية لإغاثتهم، قصفتهم الطائرات من جديد، في هجوم ذهب ضحيته 31 مدنياً، من ضمنهم 3 أطفال، في حين أصيب أكثر من 42 شخصاً. كما تمّ تدمير البئر التي جمع أهل القرية المال لحفرها. وجدير بالذكر أنه بحسب أحدث الإحصاءات الرسمية، يتجاوز عدد الضحايا المدنيين، من قتلى وجرحى، جرّاء العدوان، ثلاثين ألفاً، فيما دُمّر أو تضرر أكثر من 403 آلاف منزل، فضلاً عن مئات المنشآت الأخرى.