“بي بي سي”: أزمة الخليج: الدوحة أمام استحقاقات قاسية

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 133
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

فراس كيلاني
يلمس زائر الدوحة من لحظة الوصول إلى مطارها أن الامور ليست على ما يرام، وأن آثار الأزمة الخليجية بدأت تلقي بظلال قاتمة رغم تأكيد المسؤولين القطريين عكس ذلك، فحركة المطار تراجعت على نحو ملحوظ، الطائرات شبه فارغة، وحتى خطوط العبور التي كانت تمر عبر “مطار حمد الدولي” تناقصت على نحو كبير نتيجة إغلاق الأجواء مع السعودية والإمارات والبحرين.
لكن الصفتين الأبرز اللتين تميزان السياسة القطرية منذ بدء الأزمة الخليجية الأخيرة، هما إنكار الاتهامات الموجهة ضد الدوحة على جميع الأصعدة، وبشكل خاص ما يتعلق بدعم “تنظيمات متطرفة واستضافة قيادات إسلاميين مطلوبين في بعض الدول العربية” على ما تقول السعودية الإمارات والبحرين ومصر، والمكابرة بشأن أي تأثير محتمل لقطع العلاقات مع بعض الدول الخليجية والعربية على اقتصاد الدولة الغنية بالغاز والنفط، وتأكيد وزير الخارجية القطري، محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، أن بلاده “لن تستسلم”.
واستشعرت الدوحة جدية الضغوط والدعم الدولي الذي تلقاه بعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي قال فيها إن “لقطر تاريخا في تمويل الإرهاب على مستوى عال للغاية” وأن “الوقت قد حان لوقف ذلك”، وكذلك تأكيد المتحدث باسم الحكومة الفرنسية ضرورة أن “تتحلى قطر بالشفافية التامة والرد على الأسئلة التي وجهت إليها من جيرانها”.
وهو ربما ما يفسر الإشارات الأولية التي حملها تصريح وزير الخارجية الكويتي، الشيخ صباح خالد الأحمد الصباح، لأول مرة لاحتمال استعداد الدوحة لتقديم بعض التنازلات التي لم يتوضح حتى الآن ما الذي ستشمله، وذلك بقوله إن قطر “مستعدة لتفهم هواجس ومخاوف أشقائها في الخليج”.
وعلى المستوى الاقتصادي ايضاً، وخلافاً لتصريحات المسؤولين القطريين وفي مقدمتهم وزير الاقتصاد والتجارة، الشيخ أحمد بن جاسم بن محمد آل ثاني، لبي بي سي التي قلل فيها على نحو كبير من أي اثر للإجراءات التي اتخذت ضد بلاده، اكد رجال أعمال ومستثمرون عرب في الدوحة لبي بي سي أن وقف الاستيراد عبر المعابر البرية مع السعودية والبحرية مع ميناء “جبل علي” في دبي سيؤدي إلى خسائر فادحة، خاصة في ما يتعلق بالمواد الأولية التي تدخل في المشاريع العقارية الضخمة، نتيجة التكلفة العالية التي سيتكبدها هؤلاء المستثمرون عبر اللجوء إلى البدائل المطروحة حالياً من إيران أو عُمان.
حظرت ثلاث دول خليجية مرور الطائرات القطرية في مجالاتها الجوية
كما أشارت مصادر في الدوحة رفضت الكشف عن اسمها إلى أن عمليات سحب كبيرة للودائع وبيع علني في البورصة من قبل مستثمرين خليجيين أدت إلى نقص كبير في السيولة، وأن ذلك دفع مصرف قطر المركزي إلى طلب معلومات تفصيلية ومنتظمة بشأن تداولات النقد الأجنبي من البنوك التجارية بحسب ما نقلت وكالة رويترز عن مصادر مصرفية.
اتفاق الرياض
في عام ٢٠١٤ وضع ما عُرف حينها بـ “اتفاق الرياض” حلولا للأزمة مع قطر وفق جدول زمني طويل نسبيا. ولكن الوضع اليوم مختلف. والمطلوب هو تنفيذ مجموعة كبيرة من المطالب خلال فترة محدودة جداً، تكاد تكون أياماً بحسب ما سرب بعض المصادر المطلعة على الاتصالات التي تقوم بها الكويت. هذا على رغم تأكيد المسؤولين القطريين أنهم لم يتلقوا أي شيء مكتوب حتى اليوم للتباحث بشأنه.
وكانت وسائل إعلام سعودية قد سربت بنود اتفاق الرياض الذي وقع عام ٢٠١٤ عقب بدء الأزمة الحالية، وأشارت إلى أن قطر تعهدت بتنفيذ سبعة بنود، أولها “التوقف عن التدخل في الشؤون الداخلية لأي من دول الخليج”، و”عدم تجنيس أي مواطن من دول مجلس التعاون”، و”إبعاد كل العناصر المعادية لدول المجلس والمطلوبة قضائياً عن أراضيها خصوصاً جماعة الإخوان المسلمين”، وكذلك “وقف التحريض في الإعلام القطري، وعدم السماح لرموز دينية في قطر باستخدام المساجد ووسائل الإعلام القطرية للتحريض ضد دول مجلس التعاون”، و”وقف دعم جماعة الإخوان المسلمين ووقف التحريض ضد مصر”.
وتشير وسائل إعلام سعودية وإماراتية إلى أن قطر التي التزمت ببعض هذه البنود لفترة وجيزة، عادت و”تنصلت” من غالبيتها لاحقاً عقب وفاة ملك السعودية السابق عبد الله بن عبد العزيز.
وكانت قطر قد اعتمدت سياسة توسيع تحالفاتها وخياراتها منذ تسلم حمد بن جبر آل ثاني، والد الأمير الحالي، مقاليد الحكم إثر انقلابه على والده عام ١٩٩٥، سواء داخلياً بتحصين التصدعات التي نشأت إثر الانقلاب عبر مجموعة من الإجراءات التي شملت مصاهرة ومنح مناصب وامتيازات مالية لمراكز القوى والنفوذ في قطر، أو خارجياً بتوطيد العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية التي استضافت قطر إحدى اهم قواعدها في الشرق الأوسط والتي تعرف بقاعدة العُديد.
ويضاف إلى ذلك إقامة علاقات مع إسرائيل وفتح مكتب تمثيل اقتصادي لها في الدوحة أغلق لاحقاً، ونسج شبكة كبيرة من التحالفات مع التيارات الإسلامية والقومية واستضافة أبرز رموزها، وتدعيم كل ذلك بشبكة الجزيرة التي تأسست عام ١٩٩٦ وباتت السلاح القطري الأمضى في الترويج للخطاب والدور القطري.
واستطاعت الدوحة استغلال كل ذلك على نحو لافت في الظهور بمظهر اللاعب الإقليمي الذي بات يحسب حسابه، وتجلى ذلك في الأدوار التي استطاعت ممارستها في الكثير من الازمات التي مرت بها المنطقة، خاصة في لبنان وغزة، وهو ما تسبب بالكثير من الخلافات بين قطر وبعض جيرانها، دون أن يصل الأمر إلى ما وصل إليه في الأزمة الحالية.
وتدرك الدوحة صعوبة الوساطة الكويتية على ما أكد مصدر قطري مسؤول لبي بي سي رفض الكشف عن اسمه، إذ أن المطلوب “أكبر من قدرتها على التسليم به”، كونه يعني حرفياً “تسليم السياسة الخارجية القطرية للسعودية”، وهو الأمر ذاته الذي عناه وزير الخارجية القطري في تأكيده في غالبية تصريحاته بأن قطر ترفض ما اسماه “الوصاية والتدخل في شؤون بلاده الداخلية”.
وتتهم السعودية قطر منذ سنوات بأنها عمدت إلى بناء كل هذه التحالفات خلال العقدين الماضيين لاستغلالها لاحقاً في التدخل في شؤون بعض الدول العربية وتحديداً في السعودية نتيجة رفضها الانقلاب عام ١٩٩٥ والتهديد بالتدخل العسكري آنذاك، وبأن الحصان الرابح الذي راهنت عليه الدوحة لتنفيذ هذه السياسة كان تنظيم الإخوان المسلمين، كونه التنظيم الأكثر انتشاراً ومنعاً في غالبية الدول العربية، وهو الأمر الذي ينفيه المسؤولون القطريون بشدة.
وزاد من خشية السعودية، الممثل الأكبر للسنة في العالم الإسلامي، العلاقات الملتبسة بين قطر وإيران التي تنظر إليها الرياض على أنها العدو الأكبر الذي تواجه محاولات مد نفوذه بالاعتماد على أبناء الطائفة الشيعية في الدول العربية، خاصة في العراق ولبنان وسوريا واليمن والبحرين، وصولاً إلى السعودية والإمارات العربية المتحدة.
فشلت جهود الوساطة التي قام بها أمير الكويت في التوصل إلى حل مباشر للأزمة.
ولا تخفي طهران دعمها للشيعة في هذه الدول خاصة بعد الفوضى التي عمت الكثير منها إثر الانتفاضات العربية التي اندلعت نهاية العام ٢٠١٠. لكن ثمة خلافات سياسية كبيرة بين الدوحة وطهران إزاء رؤية كل منهما لمستقبل هذه الدول، خاصة في سوريا واليمن.
وتتهم السعودية والإمارات قطر بدعم “حزب الإصلاح” اليمني الذي يعتبر الجناح السياسي للإخوان المسلمين، ومحاولة تجيير أي انتصار على الحوثيين والقوات الموالية للرئيس السابق علي عبد الله صالح لصالحه. وكذلك الامر فيما يتعلق بدعم جماعة الإخوان في سوريا وأجنحتها العسكرية بالإضافة للكثير من الفصائل الإسلامية المحسوبة عليها والمتحالفة معها.
ويقول مختصون في الشأن الخليجي إن دعم قطر لتنظيم الإخوان وبعض التيارات ذات التوجه السلفي بعد الانتفاضات العربية، شكل القشة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة للسعودية والإمارات العربية المتحدة، خاصة في مصر التي استطاع التنظيم السيطرة على غالبية مفاصل الدولة فيها عقب الاطاحة بنظام الرئيس حسني مبارك عام ٢٠١١.
وفي المقابل، تحرص قناة “الجزيرة” ذراع الدوحة الإعلامي الأهم على اتهام الرياض وأبو ظبي بالوقوف وراء ما تصفه بـ “الثورات المضادة” التي اوصلت الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى حكم مصر بعد الإطاحة بحكم الإخوان المسلمين والزج بقادته بمن فيهم الرئيس المنتخب محمد مرسي في السجن، وكذلك السعي لإيصال المشير خليفة حفتر لحكم ليبيا بعد إنهاء هيمنة التيارات الإسلامية على المؤسسات السيادية الليبية في طرابلس وبعض مدن البلاد الأخرى.
لكن من الملاحظ أن الدوحة باتت عبر خطابها الدبلوماسي والإعلامي أخيراً تميز بين السعودية من جهة والإمارات والبحرين ومصر من جهة أخرى، وقد أرسلت الكثير من الإشارات التي تظهر استعدادها للقبول بتنفيذ بعض مطالب المملكة، كتسليم المعارض السعودي محمد عبد الله العتيبي للسعودية الذي قالت وكالة الأنباء القطرية إنه جاء استناداً إلى التعاون القضائي بين قطر والسعودية.”
لكن لا يتوقع ان تسفر هذه الرسائل عن أي تغيير في موقف السعودية بحسب ما أشار مسؤول عربي مطلع على تفاصيل الأزمة لبي بي سي. إذ لن تقبل الرياض بـ”المناورة القطرية”، بحسب تعبيرالمسؤول الذي رفض الكشف عن اسمه. إذ أن “تنفيذ جميع المطالب، بما فيها المصرية شرط لا يتجزأ” على حد قوله.
وليس من الواضح ما إذا كانت الدوحة بصدد الخضوع قريباً للضغوط التي تمارس عليها على أكثر من صعيد. ولكن يبدو حالياً أن مساحة المناورة بدأت تضيق أمامها على نحو كبير، وأن أقصى ما يمكن أن تحققه من خلال جولة وزير خارجيتها هو تحسين شروطها التفاوضية على نحو يحفظ ماء الوجه، على حد تعبير المسؤول العربي. (بي بي سي)