مخاوف داخل واشنطن من اتفاق نووي مرتقب مع “السعودية” وتحذيرات من تداعيات إقليمية واسعة
مخاوف داخل واشنطن من اتفاق نووي مرتقب مع “السعودية” وتحذيرات من تداعيات إقليمية واسعة تتصاعد في الولايات المتحدة النقاشات حول اتفاق نووي مدني مرتقب بين واشنطن و”السعودية”، في ظل تحذيرات من مشرعين وخبراء في مجال منع الانتشار النووي من أن الصيغة المتداولة للاتفاق قد تمثل تحولاً مهماً في السياسة الأمريكية التقليدية تجاه البرامج النووية في الشرق الأوسط. وتشير المعطيات المتداولة في الأوساط السياسية الأمريكية إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تقترب من استكمال الإجراءات اللازمة لإبرام اتفاق يسمح بتوسيع التعاون النووي المدني مع “السعودية”، بما في ذلك المساعدة في تطوير قطاع الطاقة النووية داخل البلاد. إلا أن تفاصيل الاتفاق أثارت موجة من القلق بسبب ما يعتبره منتقدون تراجعاً عن شروط وضمانات طالما تمسكت بها الولايات المتحدة في اتفاقيات مشابهة. ويتركز الجدل بشكل أساسي حول مسألة تخصيب اليورانيوم. فبينما تشترط الولايات المتحدة عادة على شركائها في الاتفاقات النووية المدنية التخلي عن عمليات التخصيب وإعادة معالجة الوقود النووي، لا تتضمن الصيغة المتداولة للاتفاق مع “السعودية” التزاماً واضحاً بهذه القيود. ويرى خبراء أن هذا الأمر قد يمنح الرياض هامشاً أوسع لتطوير قدرات نووية حساسة تثير مخاوف مرتبطة بمنع الانتشار النووي. كما تتعلق إحدى نقاط الخلاف بآليات الرقابة الدولية. إذ يلفت منتقدو الاتفاق إلى أن “السعودية” لم تلتزم حتى الآن بالبروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي يمنح المفتشين الدوليين صلاحيات أوسع لإجراء زيارات مفاجئة وتفتيش أكثر شمولاً للمنشآت النووية. ويعتبر هؤلاء أن أي اتفاق لا يتضمن ترتيبات رقابية صارمة قد يثير تساؤلات حول مستوى الشفافية المطلوب في البرامج النووية المدنية. وتحظى هذه المخاوف بدعم من عدد من أعضاء الكونغرس الأمريكي الذين دعوا إلى إخضاع الاتفاق لتدقيق أكبر قبل دخوله حيز التنفيذ. ويخشى بعض المشرعين أن يؤدي منح “السعودية” استثناءات في الملف النووي إلى تقويض المعايير التي اعتمدتها واشنطن خلال العقود الماضية في تعاملها مع قضايا الانتشار النووي. وفي هذا السياق، قال النائب الديمقراطي براد شيرمان، في تصريحات صحفية، إن غياب الضمانات التي تمنع الاستخدام العسكري للتكنولوجيا النووية يثير مخاوف جدية، معتبراً أن السماح لـ”السعودية” بالاحتفاظ بإمكانية تخصيب اليورانيوم قد يفتح الباب أمام سباق تسلح نووي في المنطقة. كما أشار إلى أن الإمارات وافقت سابقاً على شروط أكثر صرامة ضمن اتفاقها النووي مع الولايات المتحدة، متسائلاً عن أسباب التعامل بمعايير مختلفة مع الرياض. ولا تقتصر المخاوف على الأوساط السياسية فقط، بل تمتد إلى عدد من الخبراء والمسؤولين السابقين في الإدارات الأمريكية. فإليوت أبرامز، الذي شغل مناصب بارزة في إدارة ترامب الأولى، حذر من أن السماح بتخصيب اليورانيوم داخل “السعودية” من شأنه أن يقوض نهجاً أمريكياً استمر لسنوات في الحد من انتشار التقنيات النووية الحساسة. ويرى أبرامز أن الولايات المتحدة تستطيع دعم مشاريع الطاقة النووية المدنية دون منح الدول الشريكة القدرة على تطوير دورة الوقود النووي محلياً، معتبراً أن التخلي عن هذا المبدأ قد ينعكس على اتفاقيات أمريكية أخرى ويضعف قدرة واشنطن على فرض شروط مماثلة مستقبلاً. ويحذّر خبراء آخرون من أن أي تنازل أمريكي في هذا الملف قد يدفع دولاً إقليمية أخرى إلى المطالبة بالحقوق ذاتها. وتبرز في هذا السياق أسماء دول مثل مصر وتركيا، التي قد تنظر إلى حصول “السعودية” على تقنيات تخصيب اليورانيوم باعتباره سابقة يمكن الاستناد إليها للمطالبة ببرامج مماثلة. وتكتسب هذه التحذيرات أهمية إضافية في ظل التوترات الإقليمية المستمرة المرتبطة بالملف النووي الإيراني. فعدد من المحللين يعتبرون أن منح الرياض قدرات نووية متقدمة، حتى وإن كانت لأغراض مدنية، قد يغير حسابات التوازنات الإقليمية ويزيد من احتمالات المنافسة النووية بين دول المنطقة. وفي هذا الإطار، أشارت أندريا ستريكر، مديرة برنامج منع الانتشار النووي في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، إلى أن الاتفاق بصيغته الحالية قد يمنح “السعودية” إمكانية الوصول إلى تقنيات يمكن استخدامها مستقبلاً لإنتاج الوقود النووي اللازم للأسلحة النووية. كما حذرت من أن ضعف آليات التفتيش والرقابة قد يزيد من المخاطر المرتبطة بأي برنامج نووي متقدم. وتستند بعض هذه المخاوف أيضاً إلى تصريحات سابقة لمسؤولين سعوديين ربطوا بين موقف الرياض من امتلاك السلاح النووي وبين تطورات البرنامج النووي الإيراني. ورغم أن “السعودية” عضو في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، فإن هذه التصريحات لا تزال حاضرة في النقاشات الأمريكية المتعلقة بأي تعاون نووي مستقبلي معها. وفي خلفية هذا الجدل، تبرز المنافسة الدولية على السوق النووية السعودية. فواشنطن تدرك أن الرياض طورت خلال السنوات الماضية علاقات تعاون نووي مع عدد من الدول، من بينها الصين وروسيا، وهو ما يدفع بعض الدوائر الأمريكية إلى اعتبار الاتفاق النووي وسيلة للحفاظ على النفوذ الأمريكي ومنع منافسين دوليين من توسيع حضورهم داخل هذا القطاع الاستراتيجي. لكن منتقدي الاتفاق يرون أن مواجهة النفوذ الصيني أو الروسي لا ينبغي أن تتم على حساب معايير منع الانتشار النووي. ويؤكدون أن الحفاظ على الضمانات التقليدية يبقى أمراً ضرورياً لتفادي تداعيات قد تمتد إلى ما هو أبعد من حدود العلاقة الثنائية بين واشنطن و”السعودية”. ومع اقتراب الاتفاق من المراحل النهائية، تبدو القضية مرشحة لإثارة نقاش واسع داخل الكونغرس الأمريكي، حيث يطالب معارضون بفرض قيود أوضح على عمليات التخصيب وإعادة معالجة الوقود النووي، إضافة إلى إخضاع أي برنامج نووي سعودي لرقابة دولية مشددة. ويرى هؤلاء أن أي تراجع عن هذه الشروط قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التنافس النووي في الشرق الأوسط ويضعف منظومة منع الانتشار التي سعت الولايات المتحدة إلى ترسيخها لعقود.

