«بن سلمان» يسعى إلى السلطة وليس الإصلاح

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 138
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

نيويورك تايمز

تمر المملكة العربية السعودية الجديدة بمرحلة ولادة جديدة صعبة ومعقدة. وكان ولي العهد السعودي «محمد بن سلمان» قد نظم اجتماعا اقتصاديا فخما في الرياض لعرض خططه لتنويع الاقتصاد السعودي بعد النفط، قبل يومين من اعتقال 11 أميرا سعوديا.

وتحدث الأمير «محمد» في القمة عن خططه لإعادة السعودية إلى الإسلام المعتدل الأصيل. وحتى الآن، تبدو تصريحاته حول الإسلام المعتدل مجرد بيانات للاستهلاك العام تستهدف المستثمرين العالميين.

كما أعلن «بن سلمان» عن مشروع بقيمة 500 مليار دولار لبناء مدينة مستقبلية على البحر الأحمر تسمى «نيوم»، وقال إنه لا يهدف منها إلى توليد فرص عمل للمواطنين السعوديين، بل خدمة المصالح الإقليمية والرأسمالية العالمية. وربط هذه المدينة الخيالية بفرض الإسلام المعتدل على الشعب السعودي، وتخليص البلاد من العديد من أعضاء النخبة الغنية، بما في ذلك الأمراء المتربحين على حساب الصالح العام.

ووصف ولي العهد عام 1979 بأنه العام الذي ولد فيه التطرف السعودي، وكأن البلاد كانت جزيرة تسامح واعتدال وإسلام ليبرالي في وقت سابق. وكان هذا العام عام الثورة الإيرانية، وهي لحظة مؤلمة للسعودية. وأدى تأسيس جمهورية إيران الإسلامية إلى تقويض ادعاءات المملكة العربية السعودية بأنها البلد الإسلامي الأصيل الوحيد.

ومع بدء إيران في إضفاء الطابع الإسلامي على مؤسساتها، وتصدير الخطاب الثوري الإسلامي إلى الخارج، شعر السعوديون بالتوتر. وبالتالي أعادوا إحياء النسخة المتطرفة من الإسلام، الوهابية، وهي حركة طائفية نشأت في شبه الجزيرة العربية في القرن الثامن عشر.

وفي عام 1979، أطلق الإسلام الراديكالي الأصولي في المملكة كامل إمكاناته عندما استولت مجموعة من الإسلاميين السلفيين على المسجد الحرام في مكة، واحتجزت رهائن احتجاجا على فساد الحكومة والعلاقات مع الغرب وغيرها من المظالم.

وأدرك «آل سعود» تقلب دين الدولة. ولكن بدلا من محاولة نزع التطرف الراديكالي، اختار النظام التفاوض معهم وإعطائهم مساحة مقابل دعمهم لجدول أعمال الأسرة المالكة.

كما أزعج اتفاق كامب ديفيد بين (إسرائيل) ومصر، عام 1979، الكثير من السعوديين. ونتيجة لذلك، قاطعت المملكة، مع بلدان عربية أخرى، مصر، تحت ضغط من الجماعات المحلية.

وأتاح الغزو السوفييتي لأفغانستان، عام 1979، الفرصة للمملكة للتفوق على إيران في تقديم أوراق اعتمادها كزعيم للدول الإسلامية.

وكانت السعودية تريد نزع فتيل التطرف الديني في الداخل، من خلال السماح للجهاديين بالسعي نحو الاستشهاد في أفغانستان. وأدى ذلك في نهاية المطاف إلى ظهور الجهاد العالمي بقيادة «أسامة بن لادن».

وعلى الرغم من تصريحات «بن سلمان» الشديدة، وغير الدقيقة، حول الاعتدال الديني السعودي قبل عام 1979، فإنه ليس من الواضح كيف سيغير من النظرة الدينية. وإذا كان جادا في دفع البلاد لاعتناق الإسلام المعتدل، فيجب أن يسمح لرجال الدين والمفكرين السعوديين من الطوائف المختلفة بمناقشة النصوص والقواعد الإسلامية الأساسية في بيئة مفتوحة.

 

إصلاحات استبدادية

وبدلا من ذلك، اعتقل الأمير، منذ سبتمبر/أيلول، المئات من رجال الدين والمفكرين الإسلاميين والليبراليين وأرسلهم إلى السجن، تحت ذريعة مكافحة الإرهاب. والعديد من المعتقلين ليسوا إسلاميين متطرفين.

ولا يزال التعليم الديني السعودي قائما على التراث الوهابي، ويتبع القضاة الفقه الحنبلي ويعتبر مؤسس الوهابية، «محمد بن عبد الوهاب»، مقدسا في المملكة. وعندما كتب باحث يدعى «حسن فرحان المالكي» كتابا يدعو القراء فيه لتخفيف تأييدهم غير المشروط لابن عبد الوهاب، تم اعتقاله.

ولا تزال السعودية الدولة الوحيدة في العالم الإسلامي التي لا يسمح فيها بممارسة أي عبادة غير الإسلامية. وحتى في دول الخليج المجاورة، توجد المعابد الهندوسية والكنائس المسيحية. ولم يوضح ولي العهد ما إذا كان ذلك سيتغير في ظل الإسلام المعتدل الجديد الذي يريده.

غير أن هناك مؤشرات على الانفتاح موجودة بالفعل. وداخل المجمع المسور في الظهران، الذي بنته شركة النفط أرامكو السعودية لموظفيها، تزدهر الكنائس وتقود النساء وتمارس السباحة، وتقام الحفلات. وقد تكرر هذا النموذج في مجمعات سكنية في جميع أنحاء البلاد للمغتربين الأثرياء، لكن النظام لم يجرؤ على السماح لأنماط حياتهم بالانتشار خارج الجدران العالية لهذه التجمعات.

ولن ينشأ الإسلام المعتدل في المملكة في ظل نظام قمعي يقوم أساسه على التطهير اللاهوتي وتجريم أتباع الطوائف الأخرى من الإسلام. وتعتبر مصلحة النظام الرئيسية في الدين هي اكتساب الشرعية وتهدئة السكان السعوديين، لأن الوهابية تبرر التمرد المسلح في الخارج ضد معظم القادة المسلمين، لكنها تحظر على السعوديين أن يثوروا ضد حكامهم.

ورغم أن غالبية رجال الدين السعوديين من الوهابيين المحافظين، بدأ بعضهم، في الأعوام الأخيرة، في التعامل مع التفسيرات المعتدلة. وقبل اعتقاله في سبتمبر/أيلول، أعلن «سلمان العودة»، رجل الدين البارز الذي يحظى بالملايين من المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي، أنه لا ينبغي مقاضاة المثليين.

ويتم التسامح على مضض مع علماء الصوفية ومفكريها في الحجاز، مثل المهندس «سامي عنقاوي»، الذي وثق تدمير المواقع الأثرية والدينية في مكة المكرمة، ولكن لا يزال من الممنوع ممارسة الطقوس الصوفية علنا. ولا يزال الشيعة، الذين يعيشون في المنطقة الشرقية الغنية بالنفط، أقلية مهمشة، وهم متهمون بأنهم طابور خامس موال لإيران.

وقد يؤدي النقاش المفتوح وحده، في نهاية المطاف، إلى نوع من الحداثة الإسلامية وتقييد الأصولية. لكن النظام سيتخلى بذلك عن سبب وجوده، كحام الإسلام، ومدافع عن المسلمين والدول الإسلامية.

وسيحتاج الأمير الشاب إلى شرعية جديدة لبيع الحكم المطلق للسكان. وقد تكون التنمية الاقتصادية وفرص العمل أساسية، ولكن نظرا لأن المدينة الجديدة التي يروج لها ستعتمد بشكل أكبر على الروبوتات أكثر من البشر، فإن هناك أمل ضئيل بالنسبة للشباب السعوديين في الحصول على سبل للعيش هناك.

وتوضح الإعلانات الأخيرة عن الإسلام المعتدل، والاعتقالات المنتشرة، والمشاريع الاقتصادية الخيالية، صورة ولي العهد كرجل محدث بلا هوادة، يكافح من أجل تحقيق أشياء كثيرة جدا في وقت قليل جدا. لكن دافعه الأكبر هو توطيد السلطة أكثر من محاربة الفساد.

 

مضاوي الرشيد - نيويورك تايمز